الحكيم الترمذي

99

غور الأمور

فمهما أص بها يد اللامس انكسرت من غلبة سلطان النور وحرارته عليها ، لذلك قال حكيم من الحكماء : إنما شبه اللّه تعالى قلب المؤمن بالزجاجة ، لأنها سريعة الانكسار بطيئة الانجبار إذا انكسرت لا تقتل الجر ، ولا تصلح حتى تصيبها النار ، فسماه لضعفه وسرعة انكساره وشدة نوره وضوئه بالزجاجة التي وصف . وأما تفسير القلب حيث شبه بنوره وضوئه ودريته بغير نار بالكواكب من بين الأشياء النورانية ، فإنما شبهه بالكوكب ، لأن الكوكب أصله من النور ، ولباسه النور ، وهو معلق من السماء ، يضئ لأهل الأرض من مسيرة خمسمائة عام ، وأكثر بغير نار ، بل بالنور الذي هو جوهره ، والنور الذي هو لباسه ، فشبه قلب المؤمن بضوئه ونوره « 1 » ، وضوء المعرفة التي فيه من الأرض لأهل السماء بغير نار ، فقال كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ « 2 » . وكما أن القنديل معلق من الهواء بحبل ، والكوكب معلق من السماء . كذلك القلب معلق من السماء ، وسماؤه العرش ، وحبله الإيمان ، وهو الإقرار به . وأما تفسير قوله يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ « 2 » ، قال : أما شجرة الزيتون فإن أصلها ومنبتها من شجرة

--> ( 1 ) نورانية المؤمن التي يؤكد عليها الشيخ رحمه اللّه لما ما يدعمها من أدلة ، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنه قال : ( سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم نورا من نوره يومئذ فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ، ومن اخطأه ضل ، فلذلك أقول ، جف القلم على علم اللّه عز وجل ) ويقول أبي بن كعب رضى اللّه عنه : ( المؤمن يتقلب في خمسة أنوار : فكلامه نور ، وعلمه نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة ) . ( 2 ) سورة النور / الآية 35 .